افتتاحية
نائلة التازي
منتجة مهرجان كناوة وموسيقى العالم
الصويرة مدينة صُمِّمت للانفتاح.
منذ تأسيسها في القرن الثامن عشر، فرضت نفسها كميناء منفتح على العالم، مُنظَّم لاستقبال التبادلات وتيسير حركة البشر والبضائع والأفكار.
باعتبارها مدينة-ميناء على المحيط الأطلسي، تشكّلت عند تقاطع الطرق التجارية والروحية والإنسانية. وقد كانت قوتها دائماً في قدرتها على الاستقبال، والربط، والتحويل.
تحمل الثقافة الكناوية هذه الذاكرة. فهي، التي وُلدت من تاريخ من التنقلات والمقاومات، جعلت من التمازج قوةً إبداعية، وتُذكّر بأن الثقافات الحيّة تنبثق من الحوار.
ويندرج مهرجان كناوة وموسيقى العالم ضمن هذا الامتداد.
في سنة 2026، تضع البرمجة في حوارٍ فنانين ينحدرون من فضاءات عميقة التأثر بالحركات البحرية والديناميات المينائية. من لبنان إلى الكاميرون، ومن الولايات المتحدة إلى الهند، ومن فلسطين إلى إثيوبيا، تتقاسم هذه المجالات ذاكرة العبور. وتحمل موسيقاهم بصمتها: تهجين، ارتجال، وقدرة على الاستيعاب وإعادة الابتكار.
وقد صُمِّمت هذه البرمجة كفضاء للقاء، تُحاور فيه التقاليد الأشكال المعاصرة، عبر مسارات فنية متفردة. وتحتلّ فيها «الفيوجن» مكانة مركزية، باعتبارها أشكالاً من الإبداع الحي، حيث تتقاطع اللغات، وتُنصت إلى بعضها البعض، وتتحول.
في الصويرة، تلتقي هذه المسارات. ويظلّ المهرجان فضاءً راسخاً للالتقاء، حيث تتحاور التقاليد دون أن تذوب أو تتلاشى.
لكن طموحه يتجاوز الخشبة.
فالمنتدى الدولي لحقوق الإنسان، المخصص هذه السنة لموضوع «شباب العالم: الحرية، الهوية، المستقبل»، يمدّ النقاش الفني بفضاء فكري منظم وملتزم. إذ يجمع باحثين وفنانين ومفكرين وفاعلين ميدانيين حول نقاشات متجذرة في الواقع المعاصر، من خلال تلاقح الرؤى المحلية مع المقاربات الدولية. ومن خلال هذه الحوارات، يطرح المنتدى أسئلة حول تحولات العالم الراهن، ويمنح الكلمة مكانتها المستحقة للأجيال الشابة.
أما برنامج «Berklee at the Gnaoua Festival» فيندرج ضمن إرادة قوية لنقل المعارف والتأهيل المهني. فمن خلال جمع موسيقيين من المغرب ومن القارة الإفريقية ومن مناطق أخرى، يوفّر إطاراً تعليمياً قائماً على الصرامة الفنية، والممارسة الجماعية، والحوار بين الثقافات. وبإشراف أساتذة من كلية بيركلي وفنانين مرموقين، يشكّل هذا البرنامج فضاءً للإبداع، تلتقي فيه التقاليد مع الكتابات الموسيقية المعاصرة.
يأتي كرسي التحولات، الذي تم تطويره بشراكة مــع جامعــة محمــد الســادس متعـددة التخصصـات التقنيــة (UM6P)، لمواكبــة هــذه الديناميــة، مــن خلاًل هيكلة فضــاء للتفكير حـول التداولات الثقافيـة والمزج الفنــي الـذي يشكل جوهـر هوية المهرجان.
ونتمسك بقناعة بسيطة: الثقافة قوة مؤسسة.
هي تصل، وتكون، وتفتح الأفق. وفي الصويرة، لا يقتصر الأمر على الاحتفال بالموسيقى. بل ينقل، ويفكر فيه، ويكتب في المستقبل.
لأن الميناء لا يكون أبدا نهاية.
بل يظل دائماً نقطة انطلاق.
نتوجه بجزيل الشكر والامتنان الى معلمي كناوة وإلى كافة الفنانين الذين يحملون هذه الموسيقى الحيّة ويجدّدونها وينقلونها، نتوجّه بجزيل الشكر والامتنان.
كما نتقدّم بالشكر أيضًا إلى جميع شركائنا من القطاعين العام والخاص، وإلى السلطات المحلية، وإلى مدينة الصويرة وسكّانها، أهل الصويرة، الذين يحيون هذه الشعلة ويحافظون على استمرارها.